بعد أفول نجم الدولتين الأموية والعباسية، انتقلت السيادة على الحجاز بين قوى إسلامية كبرى، تركت كل منها بصمة معمارية وتاريخية خالدة في "بيت الله العتيق". لكن في مقابل ذلك تولدت العديد من الصراعات والصدامات للسيطرة على قبلة المسلمين ونيل الشرعية.
إليك تفصيل لأبرز التغييرات والتحديثات التي طرأت على الحرم المكي خلال تلك العصور:
أولاً: عصر التجاذبات الكبرى (الفاطميون، السلاجقة، والأيوبيون)
بعد ضعف المركزية العباسية، دخل الحرم المكي مرحلة "الشد والجذب" بين القوى الصاعدة:
• الفترة الفاطمية (358 - 567 هـ): خضع الحجاز لنفوذ الفاطميين في مصر، وشهدت هذه الفترة أقصى درجات التسييس؛ حيث استُخدمت "الميرة" (الإمدادات الغذائية) وسيلة ضغط سياسي، فإذا اختلف أمير مكة مع القاهرة، قُطع عن أهلها القمح والطعام، مما كان يفسد مواسم الحج ويجيع السكان.
• الفترة السلجوقية (447هـ - 485هـ):
• نجحوا في قطع نفوذ الفاطميين وإعادة الخطبة للخليفة العباسي في مكة والمدينة، مما ثبّت شرعيتهم كحماة للسنة.
• تأمين الحج: ركّزوا على حماية طرق القوافل من النهب، وألغوا "المكوس" (الضرائب) التي كانت تُفرض على الحجاج مقابل دفع تعويضات مالية لأمراء الحجاز، مع ترك الإدارة المباشرة للأشراف تحت إشرافهم العام.
• الفترة الأيوبية (567 - 648 هـ): مع قدوم صلاح الدين الأيوبي، عادت التبعية للخط السني، واهتم الأيوبيون بتأمين طرق الحج من غارات الفرنجة والأعراب، وحاولوا تخفيف العبء المالي عن الحجاج بإلغاء بعض الضرائب الجائرة التي فُرضت عليهم في فترات الفوضى.
ثانياً: العصر المملوكي (648 - 923 هـ) .. استقرار المحمل
ورث المماليك حماية الحرمين بعد سقوط بغداد، وأصبح "المحمل المصري" الذي يحمل الكسوة والرواتب هو الحدث الأبرز سنوياً.
• الأحداث: شهد هذا العصر ترميمات واسعة بعد حرائق وسيول مدمرة، لكنه لم يخلُ من "نزاعات الأعلام"، حيث كانت تقع اشتباكات بين قوافل الحجيج المختلفة (المصرية، العراقية، واليمنية) حول من له الأولوية في دخول مكة أو رفع رايته أولاً، مما كان يخدش أحياناً طمأنينة المناسك.
ثالثاً: العصر العثماني (923 - 1344 هـ) .. البناء الهيكلي
انتقلت السيادة للعثمانيين الذين لقبوا سلاطينهم بـ "خادم الحرمين الشريفين" بشكل رسمي.
• أهم تحديث: إعادة بناء الكعبة المشرفة بشكلها الحالي في عهد السلطان مراد الرابع (1040 هـ) بعد سيل عظيم هدم جدرانها.
• بناء الرواق العثماني: وهي القباب على أطراف صحن الطواف التي لا تزال أجزاء منها قائمة حتى اليوم وتعرف بـ "الرواق العثماني".
• بناء القلاع لحماية مكة وتأمين طرق الحج.
• إنشاء "سكة حديد الحجاز" : من دمشق - إلى المدينة المنورة (كان المخطط الأصلي للمشروع يهدف إلى إيصال السكة إلى مكة المكرمة، ومن ثم إلى جدة، لكن المشروع توقف عند المدينة المنورة بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى وصعوبات التمويل والظروف السياسية في ذلك الوقت).
رابعاً: المملكة الحجازية الهاشمية (1334 - 1343 هـ)
• تُعد المملكة الحجازية الهاشمية مرحلة مفصلية في تاريخ الحجاز الحديث؛ إذ أعقبت "الثورة العربية الكبرى" ضد الحكم العثماني، وشهدت فترة استقلال مؤقتة وتأسيس حكومة محلية لم يدم حكمها طويلاً، حيث خضعت لاحقاً لنفوذ الدولة السعودية الناشئة بقيادة الملك عبدالعزيز آل سعود، لتمهد بذلك الطريق نحو توحيد المملكة العربية السعودية.
خاتمة:
إن تاريخ الحرم المكي بعد العصر العباسي هو سجل حافل بالصمود؛ فرغم تقلب الدول، وتغير الرايات فوق منبره، ونشوب النزاعات بين المماليك والعثمانيين والأشراف، ظلت الكعبة هي الثابت الوحيد الذي تتكسر عنده أطماع السياسة، ليبقى الحج في نهاية المطاف هو "المؤتمر العام" الذي يجمع المسلمين رغم اختلاف حكامهم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق