شهد عهدا الخلافة الأموية والعباسية توسعاً جغرافياً هائلاً، مما ضاعف موارد الدولة المالية وأوجد حاجة ملحة لتطوير البنية التحتية للمشاعر المقدسة نظراً لتزايد أعداد الوافدين إليها للحج والعمرة.
لقد شهد الحرم المكي الشريف في عصري الدولة الأموية والدولة العباسية تحولات معمارية وتنظيمية كبرى، حيث انتقل من البناء البسيط إلى فنون العمارة الإسلامية المتقدمة، وذلك لخدمة الأعداد المتزايدة من الحجاج وتعزيز هيبة الخلافة.
نختصرها هنا بالتركيز على الأبرز والأكثر تاثيراً
الحرم المكي في العصر الأموي
(41 - 132 هـ)
اتسم العصر الأموي ببدء إدخال الزخارف والرخام، والاهتمام بالبنية التحتية للحرم لمواجهة السيول.
• عام 41 هـ (خلافة معاوية بن أبي سفيان):
• الاهتمام بكسوة الكعبة
• يعدّ الخلفية معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أول من كسا الكعبة "بالديباج" (الحرير المنقوش) بدلاً من الجلود والأقمشة الغليظة، هذا التغيير من الجلود إلى الحرير والمنسوجات الرقيقة لم يكن مجرد ترف، بل كان يعكس ازدهار الدولة الإسلامية واتساع مواردها، وأصبح تقليداً استمر وتطور في العصور اللاحقة حتى وصلنا إلى الكسوة الحريرية السوداء التي نعرفها اليوم.
• عام 64 هـ (خلافة عبد الله بن الزبير):
• خلال الصراع بين الأمويين وعبد الله بن الزبير، تعرضت الكعبة للحريق والتهدم.
• بعد احتراق الكعبة أثناء حصار الحصين بن نمير، أعاد ابن الزبير بناءها على قواعد إبراهيم، فأدخل "حِجر إسماعيل" فيها، وجعل لها بابين (شرقي وغربي) لاصقين بالأرض.
• عام 74 هـ (خلافة عبد الملك بن مروان): بعد استعادة الأمويين لمكة، أمر الخليفة عبد الملك بن مروان بإعادة الكعبة إلى هيئة بناء قريش (إخراج الحجر منها)، كما أمر برفع جدران المسجد وسقفه بخشب الساج، ووضع 50 مثقالاً من الذهب لكل باب من أبواب الكعبة.
• عام 91 هـ (خلافة الوليد بن عبد الملك): كان الوليد مولعاً بالعمارة، فقام بنقلة نوعية في شكل الحرم:
• استخدم الأعمدة الرخامية التي جُلبت من مصر والشام بدلاً من أعمدة الخشب.
• أضاف التيجان المذهبة للأعمدة وسقف المسجد بالفسيفساء.
• أنشأ الشرفات (المظلات) لحماية المصلين من الشمس.
، وهو أول من استعمل العقود (الأقواس) في توسعة الحرم.
الحرم المكي في العصر العباسي
(132 - 656 هـ)
شهد هذا العصر أكبر التوسعات التي استمرت حدودها حتى القرون المتأخرة.
• عام 139 هـ (خلافة أبي جعفر المنصور): أضاف المنصور مساحة كبيرة لصحن المسجد من الجهة الشمالية والغربية، وبنى منارة (مئذنة) في الركن الغربي، وزين الواجهات بالنقوش والرخام.
• عام 160 هـ - 164 هـ (خلافة محمد المهدي):
لاحظ الخليفة المهدي عدم توسط الكعبة للمسجد، فاشترى الدور الواقعة في الجهة اليمانية (الجنوبية) وهدمها، ليصبح المسجد مربعاً وتتوسطه الكعبة تماماً.
درب زبيدة: الاستثمار في راحة الحاج
• يُعد درب زبيدة أحد أعظم المشاريع الهندسية والخيرية في التاريخ الإسلامي، وهو يمثل ذروة التنظيم الإداري والعمراني في الدولة العباسية. ولتوضيح الإطار الزمني لهذا المعلم التاريخي بشكل أدق، هاك بعض التفاصيل المهمة عنه:
ارتبط اسم الدرب بالسيدة زبيدة بنت جعفر
• بداية التأسيس (العصر الأموي وما قبله): كان الطريق موجوداً كمسارات برية تجارية قديمة، واستخدم في زمن الخلافة الأموية، لكنه لم يكن منظماً أو آمناً بشكل كامل.
• العصر الذهبي (161هـ - 193هـ / 778م - 809م): شهدت تلك العقود الثلاثة فترة النشاط الأكبر للسيدة زبيدة خلال خلافة زوجها هارون الرشيد. لم تكتفِ السيدة زبيدة بالتمويل فقط، بل أشرفت ميدانياً على تنفيذ بعض المشروعات، ويُروى أنها قالت لمهندسيها عندما استصعبوا تكلفة شق الصخور لوصول الماء إلى مكة: "اعملوا ولو كلفت ضربة الفأس ديناراً".
• الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية
• الربط الإقليمي: ربط الدرب بين الكوفة (العاصمة العلمية والإدارية في العراق آنذاك) وبين مكة المكرمة، بطول يصل إلى حوالي 1400 كيلومتر.
• الاستقرار الأمني: ساهم تأمين الطريق وحفر الآبار في استقرار القبائل على طول المسار ونشوء حواضر سكنية وتجارية جديدة في قلب الصحراء.
المكونات الهندسية للدرب
لم يكن مجرد طريق مرصوف، بل كان منظومة لوجستية متكاملة تشمل:
• المحطات: تم إنشاء 54 محطة رئيسية، تفصل بين الواحدة والأخرى مسافة يوم واحد من السفر (حوالي 30-50 كم).
• المنشآت المائية: شملت الآبار، البرك المستديرة والمستطيلة، والقنوات التي صُممت بذكاء لجمع مياه الأمطار وتخزينها، ومن أشهرها "عين زبيدة" في مكة.
• الخدمات: بناء القصور للاستراحة، والمساجد للمصلين، والمنارات (أبراج توضع عليها النيران) لإرشاد الحجاج ليلاً في المناطق الصحراوية.
• استمرار الخدمة: ظل الدرب مستخدماً بكثافة كطريق رئيسي للحج والتجارة لأكثر من 1200 عام، قبل أن تظهر وسائل النقل الحديثة والسكك الحديدية التي غيرت مسارات الحركة.
سيادة الحرم: قرون التنافس والصراع السياسي
رغم أن الكعبة المشرفة طُهِّرت من الأوثان منذ الفتح النبوي، إلا أنها ظلت عبر العصور محوراً لتجاذبات سياسية وصراعات بين دول وخلفاء سعوا لفرض سيادتهم عليها بصفتها رمزاً للشرعية والزعامة.
هذا التنافس المحموم حوّل الحرم أحياناً إلى ساحة لتصفية الحسابات؛ فتأثرت مواسم الحج بشكل مباشر، حيث تكرر تعطل القوافل، وفرض الضرائب الباهظة على الحجاج، بل ووصل الأمر في بعض الحقبات إلى نشوب نزاعات مسلحة داخل مكة، أو انقطاع الحج تماماً من بعض الأقطار بسبب الحروب بين الدويلات المتنافسة على كسب "شرف" الإشراف على البيت العتيق وتوجيه الخطبة فيه لمصالحها الخاصة.
تعتبر فترة الدولة العباسية من أطول الفترات التاريخية، وبالفعل شهدت في عصور ضعفها ظهور دويلات طمحت للسيطرة على الحرم المكي لما يمثله من رمزية دينية وشرعية سياسية مطلقة.
فتنة القرامطة وسرقة الحجر الأسود (الحدث الأفظع في تاريخ الحرم)
في عام 317 هـ، وقعت الحادثة التي لا يزال التاريخ يذكرها بمرارة، حيث هاجم القرامطة (دولة قامت في الأحساء والقطيف في فترة الضعف العباسي) مكة المكرمة بقيادة أبو طاهر القرمطي.
نتائج هذا الهجوم الآثم:
• استباحة الحرم: هجموا على الحجاج يوم التروية وقتلوا منهم خلقاً كثيراً داخل المسجد الحرام وفي جوف الكعبة.
• سرقة الحجر الأسود: قاموا بقلع الحجر الأسود من مكانه وحملوه إلى مدينتهم "هجر"، وبقي الحجر غائباً عن مكة لمدة 22 سنة تقريباً، ولم يُعد إلا في عام 339 هـ.
• تعطيل الحج: خلال تلك الفترة، تعطل الحج أو صار محفوفاً بمخاطر هائلة، وكان الناس يطوفون بمكان الحجر ويضعون أيديهم على موضعه الخالي.
خاتمة:
عكس الحرم المكي في العصرين الأموي والعباسي مزيجاً بين النهضة المعمارية واللوجستية الفريدة كـ "درب زبيدة"، وبين التجاذبات السياسية التي بلغت ذروتها بفاجعة القرامطة، مؤكدةً أن السيطرة على المقدسات هي صك الشرعية المطلق.
ومع أفول بغداد، انتقل هذا التنافس المحموم إلى عهد "الممالك الإسلامية"، لتبدأ فصول جديدة من الصراعات والنزاعات العسكرية بين القوى الإسلامية الطامحة لفرض سيادتها على الحرمين الشريفين ونيل الزعامة الدينية.
انتظرونا في مقالنا القادم وتفاصيل أكثر..


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق