الأربعاء، 20 مايو 2026

المحطة الرابعة: الصراع على زعامة مكة

 

الصراع على زعامة مكة

من التوحيد الإبراهيمي إلى شتات الجاهلية: قصة الصراع على سيادة مكة
​لا يمكن قراءة تاريخ مكة المكرمة بمعزل عن قدسيتها؛ فكل صراع دار على بطحائها كان انعكاساً لحالة عقدية واجتماعية أثرت في مسيرة الجزيرة العربية بأكملها. تبدأ الحكاية من ذلك الوادي المقفر الذي ترك فيه الخليل إبراهيم عليه السلام زوجته هاجر وابنه الرضيع إسماعيل، مودعاً إياهم بدعاء هزَّ أبواب السماء: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ}.
​ورحمةً من الباري بهذه الأسرة المباركة، وتحقيقاً للوعد الإلهي؛ انفجرت بئر زمزم، لتكون المغناطيس الذي جذب أولى القبائل العربية للسكن في مكة، وهي قبيلة جُرْهُم الثانية. استأذن الجرهميون السيدة هاجر في النزول، فأذنت لهم، فنشأ إسماعيل عليه السلام بينهم، وتحدث بلسانهم، وتزوج منهم، لتبدأ حقبة طويلة من السيادة الجرهمية على مكة، تعايشوا فيها مع نبي الله إسماعيل الذي رفع مع والده قواعد الكعبة المشرفة، فكان البيت حينها منارة للتوحيد الخالص، لا يُعبد فيه إلا الله وحده.

​انحدار جرهم وضياع الأمانة
​مع مرور القرون، بدأت ملامح التوحيد التي وضعها إبراهيم تخبو في نفوس الجرهميين. استبدَّ بهم الطغيان، فاستحلوا حرمة البيت، وظلموا الحجاج، وأكلوا أموال الكعبة، مما أذن بزوال دولتهم. وتقول الروايات التاريخية إن "عقوبة الله" تجلّت في نضوب بئر زمزم،
كانت الكعبة في عهد جرهم عبارة عن بناء من حجارة مرصوفة بلا سقف، بارتفاع تسعة أذرع، وتضم الكنوز التالية:
• ​كنز الكعبة: سيوف قلعية، دروع، تماثيل غزلان من ذهب، وأموال طائلة من النذور. كانت هذه الغزلان تعتبر من النفائس والهدايا الثمينة التي قُدمت للكعبة تعظيماً لها، حيث اعتاد العرب والملوك إهداء الكعبة قطعاً من الذهب والمجوهرات لتزيينها وإظهار مكانتها المقدسة.

• ​الكسوة: لم تكن مكسوة بشكل دائم أو رسمي، بل كانت تُغطى أحياناً بقطع من الجلد (الأنطاع) أو ثياب متفرقة قبل أن يكسوها تُبّع الحِمْيَري (ملك حِمْيَر) لاحقاً.
• ​بئر زمزم: كانت عبارة عن حفرة مكشوفة غير مطوية بالحجارة (مجرد حفرة في الأرض دون تبطين أو بناء داخلي).

الصراع على السيادة
وقع تنافس حاد على السيادة في مكة وحكم الحرم بين قبيلة "جرهم" (المستوطنة قديماً) وقبيلة "خُزاعة" النازحة.
• هزيمة جرهم: تمكنت قبيلة خزاعة من الانتصار عسكرياً وإلحاق الهزيمة بـ "جرهم".
• الإجلاء عن مكة: أُجبِرت "جرهم" على الخروج من مكة وترك سِدانة البيت (خدمة الكعبة) لـ "خزاعة".
• طمر بئر زمزم: كفعل انتقامي ويائس قبل رحيلهم، قام زعيم جرهم "عمرو بن الحارث الجرهمي" بدفن كنوز الكعبة وغزاليها الذهبية في بئر زمزم ثم قام بطمر البئر لإخفاء معالمها ومنع خزاعة من الاستفادة منها.  لتبقى زمزم سراً مدفوناً في أعماق الأرض لقرون طويلة، حتى أعاد حفرها عبد المطلب بن هاشم.
 النتيجة المنطقية: بانتهاء هذا الصراع، طُويت صفحة حكم "جرهم" لمكة، وبدأ عصر سيادة "خزاعة" الذي استمر لعدة قرون.

​حقبة خُزاعة.. والتحول العقدي الكبير
​في هذا المنعطف التاريخي، برزت قبيلة خزاعة التي استطاعت إجلاء جرهم عن مكة وتولي سدانة البيت. لم تكن ولاية خزاعة مجرد تغيير في الوجوه السياسية، بل كانت "حقبة التغيير العقدي" الأخطر. فقد ظهر فيهم "عمرو بن لحي"، الذي كان يُعدُّ سيداً مطاعاً ووجيهاً في العرب، ولكنه رحل إلى الشام ورأى الناس يعبدون الأصنام، فاستحسن فعلهم وجلب معه صنم "هُبَل" ووضعه في جوف الكعبة.
​هنا انكسر ميزان التوحيد الإبراهيمي؛ فبعد أن كان العرب يحجون للبيت تلبية لدعوة الخليل: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ}، أدخلت خزاعة الأصنام والشرك، وحرَّفت التلبية لتصبح تلبية مشوبة بالشرك، وابتكرت بدعاً في الدين ما أنزل الله بها من سلطان. وقد أكدَّ النبي ﷺ خطورة ما فعله عمرو بن لحي بقوله: "رأيتُ عَمْرَو بنَ لُحَيِّ بنِ قَمَعَةَ يَجُرُّ قُصْبَهُ "أمعاؤه" في النَّارِ"، لأنه أول من سيّب السوائب وغير دين إبراهيم.

​الميراث المشوه والطريق إلى النور
​استمرت خزاعة في سيادتها لقرابة ثلاثة قرون، ومع انغماسهم في تحريف ملة إبراهيم وإدخال الوثنية إلى شعائر الحج، دبَّ الفساد في أركان حكمهم، فبات زوالهم ضرورة تاريخية وكانت الضروف مهيأة تماماً لظهور مجدد يعيد لمكة مكانتها ولقبيلة قريش وحدتها وسيادتها. وقد قيّض الله لمكة رجل من قريش ""قُصي بن كِلاب" الجد الأكبر للنبي محمد ﷺ، لتبدأ ملامح عصر جديد مع ظهور هذا الرجل الذي لم يجمع قريشاً فحسب، بل أعاد لمكة نظامها وهيبتها المفقودة فلقب بـ "المُجَمِّع".

حقيقة تاريخية: مكة لا تُسلّم قيادها لظالم
​إن الصراع بين جرهم وخزاعة يثبت حقيقة تاريخية كبرى: أن مكة لا تسلم قيادها لظالم، وأن السيادة عليها مسؤولية عقدية قبل أن تكون فخراً قبلياً. فقد طُردت جرهم لظلمها، وحُمِّلَتْ خزاعة وزر تبديل الدين.

خاتمة:
في انتظار "الفجر الصادق"

لقد انتهت ولاية "خزاعة" التي أثقلت الكعبة بالأصنام، وصارت صيحات الشرك تعلو فوق تلبيات التوحيد القديمة،
في انتظار "الوعد الإبراهيمي" الأخير، حين يُبعث من نسل إسماعيل رسولٌ يتلو عليهم آياته ويزكيهم، ويعيد الكعبة إلى عهدها الأول.. بيتاً لله وحده.

​ولكن، هل كانت السيادة السياسية لقريش كافية لتطهير البيت مما علق به من أوهام "عمرو بن لحي"؟ وهل يكفي "الشرف القبلي" ليعيد للبيت حرمته التي أرادها إبراهيم عليه السلام؟
​في مقالنا القادم، سنبحر في تفاصيل "العهد القُرَشي"، وكيف تهيّأت البطحاء لاستقبال "الرسالة الخاتمة". سنرى كيف تحطمت الأصنام بكلمة التوحيد، وكيف استجاب الله لدعوة إبراهيم في جوف مكة، ليعود البيت عتيقاً كما بدأ، وتشرق شمس النبوة فتمحو ظلمات القرون.. فانتظرونا في الرحلة من "قصي" إلى "محمد ﷺ"، حيث تُعاد الهيبة، ويتحقق الوعد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الاختبار التجريبي الثالث

#مدارسة_الأحاديث_النيوية #مدارسة_الأحاديث_النيوية مجموعة تويتر اختبار تجريبي 3 اليوم /  الثلاثاء ٢١ / صفر / ١٤٤٨ هـ النطاق / الأحاديث من...