الأربعاء، 4 يونيو 2025

فتنة القرامطة: سرقة الحجر الأسود وتوقف الحج لسنوات

فتنة القرامطة: سرقة الحجر الأسود وتوقف الحج لسنوات

تُعد فتنة القرامطة وسرقتهم للحجر الأسود وتعطيلهم فريضة الحج لسنوات عديدة من أحلك الفترات في تاريخ الإسلام، لما تركته من أثر بالغ على العالم الإسلامي، دينياً وسياسياً واجتماعياً. هذه الأحداث كشفت عن عمق الانقسامات العقائدية والسياسية التي عصفت بالدولة العباسية في أوج ضعفها.

من هم القرامطة؟ النشأة والعقيدة

القرامطة هم حركة باطنية إسماعيلية متطرفة، ظهرت في أواخر القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) في جنوب العراق ثم امتد نفوذها إلى أجزاء واسعة من شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام. أسسها حمدان قرمط في بادية الكوفة، وقد استمدت اسمها منه. عقيدتهم كانت خليطاً من تعاليم شيعية متطرفة وأفكار مستوحاة من الديانات الفارسية القديمة، مع تفسير باطني للنصوص الدينية يتجاوز الظاهر.
تميزت دعوتهم بالسرية الشديدة والتنظيم المحكم، واستقطبوا أعدادًا كبيرة من الطبقات المستضعفة من الجهلة وضعاف النفوس من الشباب الباحثين عن المال ولو بطرق الحرام بسبب شعاراتهم البراقة الخداعة التي تدعو إلى العدالة الاجتماعية والمساواة، وحقيقتها التحرر من الدين واستباحة أموال الناس وأعراضهم وإشاعة الفساد والرذيلة.
مع مرور الوقت، تحولت حركتهم من دعوة سرية إلى قوة عسكرية وسياسية منظمة، وأنشأوا دولة مستقلة لهم في البحرين (الأحساء حالياً) بقيادة أبو سعيد الجنابي، ثم خلفه ابنه أبو طاهر الجنابي.

مجازر الحج وسرقة الحجر الأسود:

مارس القرامطة الإرهاب بشتى أنواعه وقاموا بشنّ غارات وهجمات على مناطق واسعة خاصةً في الجزيرة العربية مستهدفة قوافل الحجاج ومراكز التجارة. بلغت هذه الفتنة ذروتها في عام 317 هـ (930 م) عندما قرر قائدهم أبو طاهر الجنابي القيام بخطوة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الإسلام بالهجوم على مكة المكرمة في موسم الحج.
في يوم التروية، الموافق 8 ذي الحجة، دخل القرامطة مكة غدراً وبلا رحمة، وبدأوا في ارتكاب أبشع المجازر بحق الحجاج والمعتمرين الآمنين في بيت الله الحرام. لم يراعوا حرمة الزمان والمكان، فقتلوا الآلاف من الحجاج بدم بارد داخل المسجد الحرام وحول الكعبة، وامتلأت بئر زمزم بجثث القتلى.
لم تتوقف وحشيتهم عند هذا الحد، بل تجرأوا على الكعبة المشرفة نفسها. قام أبو طاهر الجنابي بأمر جنوده بخلع باب الكعبة ونهب كسوتها، ثم توجهوا إلى الركن اليماني واقتلعوا الحجر الأسود من مكانه عنوة. لقد كان مشهدًا مروعًا هزّ أركان العالم الإسلامي، فالحجر الأسود هو جزء مقدس من الكعبة، وله مكانة عظيمة في قلوب المسلمين. قيل إنهم حاولوا سرقة مقام إبراهيم أيضًا لكنهم لم يتمكنوا من ذلك.
أخذ القرامطة الحجر الأسود معهم إلى هجر (عاصمتهم في الأحساء) ووضعوه في بيت كبير في موقع يقال له "عين الكُعَيْبه" وأمروا الناس بالحج إليه لكن الناس رفضوا الفكرة بشدة، وبقي هناك قرابة 22 عاماً.
لقد كان هدفهم من هذه الفعلة الشنيعة هو تحويل مركزية الحج من مكة إلى عاصمتهم، في محاولة يائسة منهم لإنشاء مركز ديني بديل وتحدي سلطة الدولة العباسية وإضعاف نفوذها الديني.

توقف الحج لسنوات وعواقب الفتنة:

كانت سرقة الحجر الأسود وقتل الحجاج بمثابة صدمة كبرى للمسلمين في كل بقاع الأرض. توقفت فريضة الحج بشكل شبه كامل لسنوات عديدة بعد هذه الواقعة المفجعة، خوفاً من القرامطة. لقد كان هذا حدثاً غير مسبوق في تاريخ الإسلام، حيث أن الحج ركن أساسي من أركان الدين، وتوقفه يعني تعطيل شعيرة عظيمة.
عانت الدولة العباسية في بغداد من ضعف شديد آنذاك، ولم تستطع الرد بقوة على القرامطة في البداية، مما زاد من نفوذهم وتماديهم. أحدثت هذه الفتنة اضطرابًا سياسياً واقتصادياً هائلاً في المنطقة، وتأثرت التجارة بشكل كبير بسبب عدم أمان الطرق.

استعادة الحجر الأسود وعودة الحج:

بعد سنوات طويلة من المفاوضات والضغوط من قبل الخلفاء العباسيين ومحاولات إغراءهم بالمال وكذا قيام حكام الدولة العُبَيدية (الفاطميين) بتهديدهم لأنهم رأوا في وجود الحجر الأسود في أيدي القرامطة انتقاصاً من هيبة الدولة العُبَيدية التي كانت تعتبر بلاد الحجاز والحرمين من نصيبها وتريد إظهار أنها تدافع عن المقدسات الإسلامية ، زد على ذلك نقمة القبائل العربية التي غضبت من فعلة القرامطة وبدأت في محاربتهم ، ومع تزايد الضغوط وتراجع قوة القرامطة الداخلية والخارجية، وخوفاً على دولتهم أعاد القرامطة الحجر الأسود إلى مكة المكرمة وعندما وصل الحجر إلى مكة استقبله أهلها بفرح عظيم وتم إعادة وضعه في مكانه الأصلي في ركن الكعبة المشرفة في شهر ذي القعدة من عام 339 هـ (951 م).

خاتمة
تمثل فتنة القرامطة وسرقة الحجر الأسود فترة مظلمة في تاريخ الإسلام، كشفت عن مدى خطورة الغلو والتطرف عندما ينحرف عن تعاليم الدين الصحيحة. لقد تركت هذه الأحداث بصمة عميقة في الذاكرة الإسلامية، وذكّرت المسلمين بأهمية الحفاظ على وحدة الصف وحماية المقدسات، وأن الأمن والسلام ركيزة أساسية لأداء الشعائر الدينية ولحياة الأمم. على الرغم من فظاعة ما حدث، إلا أن إرادة المسلمين وعزيمتهم على الحفاظ على دينهم ومقدساتهم انتصرت في النهاية، وعادت الكعبة والحجر الأسود لتكونا قبلة للمسلمين من جديد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الاختبار التجريبي الثالث

#مدارسة_الأحاديث_النيوية #مدارسة_الأحاديث_النيوية مجموعة تويتر اختبار تجريبي 3 اليوم /  الثلاثاء ٢١ / صفر / ١٤٤٨ هـ النطاق / الأحاديث من...